كل مصر فى عيد

بقلم سالم جابر الجازولي

عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، شيخ الطريقة الجازولية الحسينية

من فضل الله علينا أن تتزَامن الأيامُ المباركات والمناسبات السعيدة لتجعل من أيامنا كلها أعيادًا سعيدة، فها هى أيام رجب شهر تَتْرَى بالخيرات والحسَنات والأعمال الصالحات، مُبَشِّرَة ومُؤْذِنَة بالشّهر الذى تتشَّعب فيه طُرق وأعمال الخير، لتصل بنا حيث شهر رمضان المبارك.

ويتواكب بل تتعانُق مع هذه النفحات الطيّبة، مناسبات أشقّائنا وفرحتهم بأعياد الميلاد المجيد ورأس السَّنة الميلادية، وما تحمِله من أفراح وبهْجة بميلاد سيّدنا المسيح بن مريم- عليهما السلام- الذى جاء لينشر المحبّة والسلام.

وبهذه المناسبة اتقدم بخالص التهنئة إلى البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، والأخوة المسيحيين، تأكيدا على مدى عمق الروابط الأخوية التي تجمع بين أبناء الوطن الواحد، والتلاحم بين جناحي الوطن الذي هو ركيزة أساسية لاستقرار مصر وتقدمها، ويعكس قوة ووحدة نسيجها الوطني وصلابة المجتمع المصري.

إن مشاركة جناح الوطن المصري المسلم لجناح الوطن المصري المسيحي في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الدينية هو نوع من البر والإحسان الذي أمرنا به المولى عز وجل في كتابه الكريم: {أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، كما أنه إفشاء للسلام والمحبة التي تميز المجتمع المصري.

ومن فضْل الله- سبحانه عزَّ وجلَّ- على مصْرِنا الحبيبة أنها حازت الجمال والكمال الإلهى، باحتضانها وتشَرُّفها بالأديان السماوية الثلاث، فعلَى أرضها وُلِد وتربَّى وبُعث موسى، وإليها لجأت مريم العذراء بوليدها المسيح عيسى، ومرَّ عليها رسول الله فى رحلة الإسراء والمعراج، فضلا عن الأنبياء السابقين ابتداء من إدريس، ويوسف وأبيه يعقوب وإخوته الأحد عشر، عليهم جميعا الصلاة والسلام.

وزاد على هذا الشَّرَف، التجلِّى الأعظم للمولى سبحانه، على بُقعة من أرضها المبارَكة فى "طور سيناء"، فكانت الوطن الوحيد فى الكون كله- على حدِّ علمنا- الذى تجلَّى عليه الخالق سبحانه.

فضلا عن كونها أصبحت "قِبْلَة" آل البيت والتابعين والصالحين، إلى يومنا هذا، ليكتمل البَهاء والجمال لـ"وطن" شرَّفه الخالُق، واختاره الأنبياء والمُرسلون، وفَضَّله الصالحون.

ويعيش فيه "المُحبُّون"، شَعبٌ أحبَّه الله فأنْعَم عليه بنعمائه التى لا تُعدّ ولا تُحصى، وأهم النِّعم حبّ الخير للجميع بلا تفْرقة أو تمييز، والترابط والتماسُك الاجتماعى رغم الأزمات، بل إن الأزمات والتحديات التى تمرّ عليه لا تزيده إلا تماسُكا وتداخُلا وترابُطًا، وبهذا التميُّز والتفرُّد عُرِف المصريون طوال تاريخهم الممتد فى أعماق التاريخ الإنسانى.

وقد وَصَفَنا سيّدنا رسول الله بقوله لصحابته الكرام، فيما رُوى عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: حدّثني عمر- رضي الله عنه- أنَّه سمع رسول الله يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتّخذوا فيها جُنْدًا كثيفًا؛ فذلك الجُند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنّهم في رِباط إلى يوم القيامة".

حتى الأحداث المعاصرة تؤكِّد لنا هذه المعانى جميعا، فَنَظْرَةُ سريعة إلى الأوضاع منذ أحداث يناير 2011 تُبيِّن لنا كيف حفِظ الله مصر وشعبَها، وسط أمواج الأزمات والصعوبات التى مرّت بها المنطقة بل العالم أجمع، ووقفت مصر صامدة شامخة، بل خرجت أكثر قوّة وصلابة وقُدرة على إعادة البناء والتنمية والانطلاق نحو المستقبل بخُطى ثابتة واثقة مُوْقِنة من عون الله ونصْره، فكانت الإنجازات والمشروعات العملاقة التى انتشرت فى رُبوع المحروسة، تواكبها المبادرات الإنسانية المتعدّدة والمتنوّعة لخدمة المواطن المصرى، لتحقيق ما يستحقّه من "جَودة الحياة" فى ظلّ "الجمهورية الجديدة" التى ننشُدها جميعا، ويقودنا إليها فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بإخلاص وتفانٍ، لـ"تحيا مصر" بأبنائها المُخلصين الأوفياء، بما تستحق "أُمّ الدنيا".

0 تعليقات

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم