التنوع الحضاري والسياحي للمملكة المغربية

كتبه: عبدالله الشاووش

شهدت المملكة المغربية خلال العقدين الماضيين حراكاً سياحياً بارزاً عزز مكانتها كوجهة إقليمية وعالمية، وفي إطار متابعة واقع القطاع السياحي بين مختلف جهات المملكة قمنا بجولة ميدانية شملت عدداً من المدن المغربية، بهدف توثيق ملامحها العمرانية، المقومات الطبيعية، الثقافية والسياحية التي تميز كل منطقة.

الدار البيضاء… واجهة المغرب الاقتصادية

بداية من مدينة الدار البيضاء التي تعد أكبر مدن المملكة والعاصمة الاقتصادية لها، مدينة مزدحمة لكن تربطها الى جانب الرباط خطوط تراموي متطورة تسهل الوصول الى جميع الأحياء المهمة، شملت الزيارة مسجد الحسن الثاني الذي يعد من أبرز المعالم الدينية في العالم الإسلامي، إضافة إلى ساحة محمد الخامس التي يكثر فيها الحمام مما يعطي المكان جمالية للتصوير، وحي الأحباس (حي اليهود) الحي الحضاري والثقافي، من أهم التجارب التي يجب ان لا تفوتها تجربة (حلويات بنيس) أشهر محل حلويات في المدينة تأسس سنة 1938م، تضم المدينة كذلك ثلثي المشاريع الاقتصادية على مستوى البلاد وثاني أكبر بورصة في إفريقيا.

الرباط… مدينة الأنوار

يمكنك الإنتقال الى الرباط العاصمة الإدارية أو كما تسمى (مدينة الأنوار) عن طريق قطار البراق السريع، عند وصولك يمكنك زيارة معالم مدينتي الرباط وسلا اللتان يفصلهما نهر ابي رقراق، كقصبة الأوداية التي بها متاحف وحدائق أندلسية ومقاهي مطلة على المحيط الأطلسي، صومعة حسان الشاهدة على مخطط بناء أكبر مسجد في الغرب الإسلامي لم يكتمل لوفاة الملك المنصور الذهبي، وضريح محمد الخامس أول حاكم بمسمى ملك بعد استقلال المملكة المغربية الحديثة، وبرج محمد السادس ثالث أطول برج في افريقيا، كذلك حديقة الحيوانات التي تضم أسود الأطلس المنقرضة، ولك أن ترى حالة التناغم العمراني بين الطابع التاريخي والمرافق الحديثة التي تعكس مكانة الرباط كمدينة إدارية وثقافية رائدة.

طنجة وتطوان… بوابة شمال المغرب

شملت الجولة محطتين في الشمال، هما طنجة وتطوان، ويقصدهم السياح لقضاء وقت راحة واستجمام، إذ تضمان أجمل واجهات بحرية وشواطئ على مستوى العالم، كما يعتبر مضيق جبل طارق أقرب نقطة بحرية تربط إفريقيا بأوروبا، من رأس سبارطيل في طنجة الى رأس ماروكي في اسبانيا على بعد 14 كيلو متر فقط، يتوسط المدينة غطاء أخضر يمتد خلال غابة الرميلات حيث يشكل متنفساً طبيعياً للسياح، كذا تفخر المملكة المغربية بتاريخ شخصيتين مهمتين قدمتا إنجازات عالمية، أولهما (ابن بطوطة) الرحالة العربي المولود في طنجة الذي خاض أطول رحلة عبر القارات في زمنه، عمل له متحف يضم تراثه ومغامراته وقصص أسفاره، ومزار يضم ضريحه في أزقة المدينة القديمة، والشخصية الأخرى العالم المسلم الشهير (الشريف الادريسي) المولود في سبتة.

بينما تم توثيق الطراز الأندلسي الظاهر بوضوح في مدينة تطوان، خصوصاً مع تجربة السكن في احد الرياض (البيوت الأندلسية التي تحولت الى فندق) وسط المدينة القديمة، وصولاً الى الأسواق الشعبية مثل السوق الكبير والصغير، ونصب الحمامة البيضاء رمز المدينة الذي يمثل السلام والتعايش بين الديانات والأعراق، والإطلاع على الطابع الإسباني الذي تظهر آثاره في بعض أحياء المدينة.

مدينة شفشاون… هوية معمارية فريدة

في مدينة شفشاون الجوهرة الزرقاء، تشعر بالراحة النفسية وسط المباني التي يغلب عليها الطابع الأزرق الشهير الذي يميز أحيائها القديمة، كأنك تسبح وسط بحر أزرق يزخر بالألوان الزاهية للبضائع والزينة المنتشرة في كل مكان، حقاً كأنها المرجان في البحر!، يتوسطها ساحة وطاء الحمام المحببة للسياح، ناهيك عن الطبيعة الخضراء والشلالات التي تحيط بالمدينة ونواحيها، فلابد أن تزور منطقة أقشور الطبيعية خلال رحلتك الى شفشاون، كما لا تفوت اطلالة بانوراما مدينة شفشاون أثناء الغروب من مسجد بو زعافر اعلى تلة في شفشاون، ولكون المدينة قد حافظت على نسقها العمراني التقليدي فإن ذلك ساهم في تعزيز مكانتها كوجهة مفضلة للمهتمين بالتصوير.

فاس ومكناس… عمق حضاري وتاريخ ممتد

 مدينة فاس، هي مدينة عريقة يعود تأسيسها الى القرن الثاني الهجري وتعد العاصمة الثقافية والروحية للمملكة، كانت عاصمة للدولة الإدريسية، فبينما تسير في احياء المدينة العتيقة تشعر وكأنك تعيش حقبة سابقة من الزمن، حيث اهتمت المملكة المغربية بتطوير المدينة القديمة وما بها من معالم شهيرة بما في ذلك المدابغ التقليدية والمدارس التاريخية التي تعكس الإرث العلمي والثقافي للمدينة، ولعل من أشهر معالم المدينة هو جامع القرويين الذي يعتبر أول جامعة في العالم.

أما مكناس أو المدينة الإسماعيلية، تبرز مكانتها كإحدى العواصم التاريخية للمغرب عبر المعالم التي تميزها كالقصور الملكية أو ما يطلق عليه المشور السعيد، وساحة الهديم التي تضم سوقا شعبيا كبيراً حيث تنتعش مساءاً بالفنانين الهواة الذين يقدمون فعاليات ترفيهية، يوجد بنفس الساحة متحف مهم يسمى (متحف دار الجامعي) يوثق تاريخ الموسيقى ويعرض جميع الآلات والفنون الشعبية من مختلف مدن المغرب، أيضا من المعالم الشهيرة بالمدينة سجن قارا التاريخي الذي قيل فيه المثل (الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود)، لصعوبة دهاليزه تحت الأرض، وصهريج السواني الذي كان يمد المدينة بالمياه، كما أنه يمكنك زيارة مدينة مولاي ادريس زرهون القريبة من مكناس لمشاهدة اطلالة رائعة وقت الغروب من المطل الأكبر.

إفران… تمازج الطبيعة مع النمط الأوروبي

انتقلت جولتنا الى مدينة إفران أو كما تمسى بسويسرا المغرب نحو نمط عمراني آخر، حيث تتكون المدينة من اكواخ على الطراز الأوروبي وسط الطبيعة المحيطة بالمدينة، وتعتبر وجهة سياحية جبلية تتسم بالهدوء والنقاء البيئي، وتتسم بمناخ اطلسي يعرف بقوة الثلوج في موسم الشتاء ما يتيح فرصة التزلج في منتزه الجليد، من معالمها الأكثر زيارة تمثال أسد الأطلس، عين فيتال، وشجرة كورو المعمرة، كما يمكن ركوب جولة جميلة بالقطار السياحي الذي يأخذك في رحلة قصيرة لمشاهدة معالم المدينة.

مراكش… قطب سياحي عالمي

جاءت محطة مراكش الحمراء أو عاصمة النخيل لتقدم مادة بصرية غنية تظهر زخم الحركة السياحية في المدينة، بدءاً من ساحة جامع الفنا التي تعتبر أشهر ساحة على مستوى العالم، الأسواق التقليدية، حدائق المنارة وماجوريل، وقصري الباهية والبديع، حيث تتميز المدينة بالمباني الموحدة باللون الأحمر، كما تسمى بأرض البهجة لكثرة ابتسامة وضيافة وكرم سكانها وباعتها في وجه كل سائح وغريب.

في جولة مراكش أنصحك بزيارة نواحي المدينة القريبة، المكان الأول هو ضريح المعتمد ابن عباد الذي كان ملكاً لإشبيلية في الأندلس ثم أصبح غريباً في أغمات وتبدل حاله من الغنى الى الفقر، والمكان الثاني وادي أوريكا الذي به الشلالات والأنهار والمطاعم المنتشرة التي تقدم الأطعمة المغربية اللذيذة، وأنت تشاهد القرى الأمازيغية المبنية على الجبال بطريقة رهيبة، والمكان الثالث هو صحراء أكفاي حيث تعيش تجربة يوم كامل من الأنشطة كركوب الجمال، الدرجات الرباعية، والسباحة، ثم السهر على انغام موسيقى الكناوة والألعاب النارية بعد تناول عشاء مغربي.

اكادير.. عاصمة الثقافة الأمازيغية

تشتهر المدينة بكون نصف سكانها ممن يتحدثون اللغة الأمازيغية وتحديداً اللغة المحلية (تشلحيت)، هي مدينة لها تاريخ عريق، حيث شهدت زلزالا سنة 1960م راح ضحيته العديد من الأرواح ودمرت المدينة بالكامل، ثم اعيد بناؤها وتطويرها من جديد لتكون وجهة لعشاق الراحة والإستجمام في المنتجعات المطلة على البحر، بها المارينا والشاطئ، وسوق الأحد الشعبي الذي يعتبر ثاني أكبر سوق في افريقيا، حيث تجد فيه المنتجات الطبيعية من العسل وزيوت الأركان وغيرها، وايضا من المزارات التي تستحق الزيارة حديقة التماسيح، وتلفريك اكادير الذي يصل مركز الإركاب بمزار بقايا قصبة اكادير، ومن المهرجانات الشعبية لديهم مهرجان بوجلود أو" بويلماون "كما يطلق عليه الأمازيغ والذي يقام أيام عيد الأضحى.

الصويرة.. موغادور الرياح والتعايش

انتهت رحلتنا الملهمة بزيارة الصويرة، او مدينة الرياح كما لقبتها اليونسكو، ليست مجرد حاضرة تطل على الاطلسي، بل تعدت ذلك الى تجسيد لوحة فنية ناضحة بالتعايش والفنون والعمران، مدينة جمع معمارها بين الاسلامي والأوروبي البرتغالي مثل الصقالة وأسوار الحصون المطلة على بحر موغادور او بحر النوارس، علاوة على تراث يهودي بارز، يتجلى في وجود البيّع ودور عبادات وكنائس، ومتاحف الثقافة اليهودية، وحي يهودي عريق يطلق عليه إسم "الملاح".

خلال جولتنا ، راق لنا منظر القوارب الزرقاء المتراصة من اعلى الصقالة، ميناء السمك، وكثير من محلات الحرف التقليدية، ومجسمات من خشب العرعار الذي يميز المنطقه، وجهة سياحية لكثير من محبي زرقة المياه وطرب أنغام موسيقى كناوة الافريقية، فهي تعتبر مركز مهرجان كناوة العالمي السنوي.

المغرب ليس مدينتين فقط

وختاماً من خلال الجولة نستطيع القول بأن المدن المغربية تتميز بتنوع جغرافي وثقافي واضح، يدعم مكانة المملكة كوجهة سياحية متعددة المقومات، اذ تجد فيها التاريخ والتقدم، الأسواق الشعبية والمراكز التجارية، والطبيعة على أنواعها من جبال وغابات وشواطئ وانهار وصحاري، كما تستمتع بتناول لذائذ المطبخ المغربي وخياراته المتعددة من الكسكسي، الطواجين ، البسطيلة، والحلويات من كعب الغزال، فقاص والشباكية، ستعرف من خلال ذلك ان المغرب بلد رائع لا يقتصر على مراكش واكادير فقط.

0 تعليقات

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم