بقلم السيد سالم جابر الجازولى
شيخ الطريقة الجازولية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية
لم تعد الحروب في عالمنا المعاصر تُخاض بالأسلحة والصواريخ وحدها، فهناك حروب أخرى أشد خطورة، تستهدف العقول وتضرب الثقة وتزرع الخوف والشك بين أبناء الوطن الواحد؛ إنها حروب الشائعات وتزييف الحقائق، التي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحتها الأوسع، والكلمة المضللة سلاحها الأخطر.
فقد بات من السهل أن تتحول معلومة مجهولة المصدر إلى قضية رأي عام، وأن ينتشر خبر كاذب في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت وجهد لتصل إلى الناس. وهنا تكمن الخطورة؛ فالشائعة لا تستهدف شخصًا بعينه فحسب، وإنما قد تستهدف استقرار مجتمع بأكمله، وتؤثر في الاقتصاد، وتثير القلق، وتهز الثقة في المؤسسات.
والإسلام، منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، وضع منهجًا واضحًا للتعامل مع الأخبار، يقوم على التثبت والتدقيق وعدم الانسياق وراء الكلام دون دليل. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).
إنها قاعدة قرآنية عظيمة تؤكد أن التسرع في تصديق الأخبار وتداولها قد يؤدي إلى ظلم الأبرياء وإشعال الفتن وإفساد العلاقات بين الناس. كما يقول سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).
وحذر الرسول ﷺ من خطورة الكذب ونقل كل ما يسمعه الإنسان، فقال: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
ومن هنا، فإن مواجهة الشائعات ليست مسؤولية الأجهزة الرسمية وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد داخل أسرته، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام ومؤسسات الدولة.
وعلى المؤسسات الدينية أن تضطلع بدورها في نشر ثقافة التثبت، وتعليم الناس أن حفظ اللسان وصيانة الأعراض وعدم الخوض في سمعة الآخرين من صميم الأخلاق الإسلامية. كما أن الإعلام مطالب بتحري الدقة والسرعة في تقديم المعلومات الصحيحة، وعدم ترك فراغ إعلامي يسمح للشائعات بالانتشار.
أما الدولة، فعليها تعزيز الشفافية وسرعة إتاحة المعلومات، والرد على الأخبار المغلوطة ببيانات واضحة ومقنعة، وتطوير أدوات الرصد والتحقق، وتطبيق القانون على من يتعمد نشر الأكاذيب والإضرار بالمجتمع، مع احترام حرية الرأي والنقد الموضوعي وحق المواطنين في المعرفة.
ولا ينبغي أن نخلط بين النقد والشائعة؛ فالنقد البناء ضرورة لتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء، أما اختلاق الوقائع وترويج الأكاذيب بقصد التضليل وإثارة الفتن، فهو اعتداء على المجتمع ومصالحه.
إن معركتنا الحقيقية اليوم هي معركة وعي، والانتصار فيها لا يتحقق بكثرة الشعارات، وإنما بعقول تفكر، ونفوس تتحرى الصدق، وإعلام يتحمل مسؤوليته، ومواطن يدرك أن ضغطة زر قد تكون سببًا في نشر فتنة أو إنقاذ مجتمع من تضليل.
فالكلمة أمانة، والمعلومة مسؤولية، والوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل كيان نحميه بوعينا وصدقنا وتماسكنا. فلنتوقف قبل أن ننشر، فكر قبل ما تشير، ولنتحقق قبل أن نصدق، ولنجعل الحقيقة دائمًا أقوى من الشائعة.
حفظ الله مصر وشعبها العظيم، ولـ"تحيا مصر" دائما وأبدا بعقول وسواعد أبنائها المخلصين الأوفياء.
