📁 آخر الأخبار

منتدى مصر.. الخطاب الديني وبناء الإنسان


بقلم السيد سالم جابر الجازولى

شيخ الطريقة الجازولية عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية

لم يكن حضور الملف الديني في «منتدى مصر 2026» مجرد مناقشة لقضية من قضايا المجتمع، بل عكس إدراكًا لأهمية الدين في بناء الإنسان وتشكيل وعيه وضميره، وترسيخ منظومة القيم والأخلاق التي تمثل أساس استقرار المجتمعات وتماسكها. وجاءت مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في جلسة «الخطاب الديني وتأثيره على القيم في المجتمع»، لتؤكد أن معركة بناء الإنسان لا تنفصل عن معركة الوعي، وأن مواجهة التطرف تبدأ بالتربية الصحيحة والفهم المستنير للدين.

وحملت الجلسة رسائل مهمة بشأن مسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية في مواجهة الأفكار المتطرفة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم خطاب ديني يلامس واقع الناس، ويعزز القيم الإيجابية في المجتمع.

وأكد الرئيس أهمية بناء ديني متزن، خاصة في قلوب الأطفال، باعتباره أحد المسارات الأساسية لحماية الأجيال الجديدة من الانحراف الفكري والتطرف. كما شدد على أن حرية الاعتقاد مكفولة، وأن دور الدعوة يقوم على تقديم الكلمة الطيبة والحسنة، دون إكراه أو فرض للقناعات.

وتعكس هذه الرسائل أهمية التمييز بين التدين الصحيح الذي يقوم على الرحمة والاعتدال واحترام الإنسان، وبين الأفكار المنحرفة التي تستغل الدين لتبرير العنف أو نشر الكراهية أو تكفير الآخرين. فالإسلام الذي جاء هداية للناس يدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، يقول تعالى: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (النحل: 125)، وهي قاعدة أصيلة في الدعوة إلى الله، تؤكد أن التأثير الحقيقي يبدأ بالإقناع والحوار وحسن القدوة.

وقد شهدت الجلسة مشاركة د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، د. محمد عبدالدايم، أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، الأنبا ميخائيل، أسقف إيبارشية حلوان والمعصرة و15 مايو، في مشهد يعكس أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية في ترسيخ القيم الإنسانية والوطنية.

واستعرض ممثل الأزهر جهود المؤسسة في تطوير التعليم والتدريب، وتعزيز الدعوة والإرشاد المجتمعي، ومكافحة التطرف، ونشر التراث الإسلامي، وتطوير الشراكات التعليمية الدولية.

كما تناول ممثل الكنيسة دورها في البناء الروحي والنفسي للأجيال الجديدة، والتعليم الكنسي والأنشطة الشبابية، والشراكة التنموية، وتعزيز المواطنة وحماية النسيج الوطني.

وهنا تتجلى حقيقة مهمة، هي أن حماية المجتمع من التعصب مسؤولية مشتركة، وأن وحدة المصريين ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تقوم على الاحترام المتبادل، والمساواة في الحقوق والواجبات، والانتماء إلى وطن يتسع للجميع.

ومن أبرز رسائل الرئيس السيسي تأكيده أن بناء الوعي والضمير من خلال التوعية والدعوة يمثل مسارًا مهمًا، لكنه لا يغني عن المسار القانوني الذي ينظم حياة المجتمع ويحفظ الحقوق ويواجه المخالفات.

وهذا يعني أن الإصلاح الأخلاقي لا يتحقق بالخطب وحدها، كما أن القانون وحده لا يستطيع أن يصنع ضميرًا حيًا؛ وإنما يتكامل المساران لبناء إنسان يعرف واجباته، ويحترم حقوق غيره، ويدرك أن الحرية مسؤولية، وأن الأخلاق أساس التعامل بين الناس.

كما تبرز أهمية تطوير الخطاب الديني ليواجه التحديات المعاصرة، ويقترب من الشباب، ويستفيد من وسائل الاتصال الحديثة والتكنولوجيا، دون التفريط في الثوابت الدينية أو السماح بتوظيف الدين لنشر الأفكار الهدامة.

إن أهمية «منتدى مصر 2026» تتجاوز مجرد عقد جلسات للحوار، إلى فتح المجال أمام مناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الأجيال الجديدة.

وتبقى الرسالة الأهم أن "بناء الجمهورية الجديدة" لا يقتصر على إقامة المشروعات وتطوير البنية الأساسية، بل يمتد إلى بناء الإنسان علميًا وأخلاقيًا وفكريًا، وترسيخ قيم العمل والانتماء والتسامح واحترام القانون.

ومن هنا، فإن تجديد الخطاب الديني ليس تغييرًا في الثوابت، وإنما تجديد في أساليب العرض والتواصل، وقدرة على تقديم صحيح الدين بلغة يفهمها الناس، وتطبيق قيمه في حياتهم اليومية.

فحين تتضافر جهود الأسرة والمدرسة والأزهر والكنيسة والأوقاف والإعلام، يصبح بناء الوعي مشروعًا وطنيًا متكاملًا، يحمي المجتمع من التطرف، ويعزز الثقة بين أبنائه، ويؤسس لمستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معارك البناء والتنمية؛ لأن الوطن القوي لا تصنعه المنشآت وحدها، بل يصنعه إنسان واعٍ، وضمير حي، وخطاب ديني مستنير، ومجتمع يؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للوطن قضية.

تعليقات