📁 آخر الأخبار

أكتوبر والجيش والشرطة والشعب.. جبهة واحدة لحماية مصر

بقلم السيد: سالم جابر الجازولى 

شيخ الطريقة الجازولية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية

في توقيت بالغ الدقة، تتشابك فيه التحديات الإقليمية مع متطلبات البناء والتنمية، جاءت كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، واحتفالات تخريج دفعات جديدة من أكاديمية الشرطة والكليات العسكرية، لتؤكد أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية وأجهزة أمنية، وإنما أيضًا بوعي شعوبها، وتماسك مؤسساتها، وقدرتها على حماية ذاكرتها الوطنية من التشويه والنسيان.

وبين روح انتصارات أكتوبر المجيدة، ورسائل الرئيس إلى الخريجين الجدد، تتبلور رؤية تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: وطن قوي بمؤسساته، شعب واعٍ بتحدياته، دولة تتحرك بثبات نحو المستقبل.

ففي الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين، التي جاءت تحت عنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، تجدد التأكيد على أن هذا الانتصار لم يكن مجرد معركة عسكرية استردت فيها مصر أرضها وكرامتها، بل كان ملحمة وطنية جسدت قدرة المصريين على تجاوز الصعاب عندما تتوحد الإرادة، ويلتقي التخطيط المحكم بالإيمان بالهدف والاستعداد للتضحية.

إن استدعاء أكتوبر في الحاضر ليس احتفاءً بصفحات مضيئة من التاريخ فحسب، وإنما هو استلهام لقيم العمل والانضباط والصبر والثقة بالنفس. فالأمم التي تعرف تاريخها تستطيع قراءة حاضرها بصورة أفضل، وتحصين أجيالها الجديدة من محاولات بث اليأس أو التقليل من شأن إنجازاتها.

ومن هنا تبرز أهمية «ذاكرة الوطن» بوصفها رصيدًا مشتركًا تتوارثه الأجيال، وتتعلم منه أن الحفاظ على الدولة لا يتحقق بالشعارات، بل بالعمل والإنتاج والتكاتف، واحترام مؤسساتها، والتمييز بين النقد المسؤول ومحاولات الهدم والتشويه.

جناحا الأمن والاستقرار

وفي احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين لعام 2026، أكد الرئيس أن القوات المسلحة والشرطة جناحا الأمن في مصر، وأن الأمن القومي يرتكز على دور المؤسستين في حماية البلاد من التهديدات الداخلية والخارجية. كما شدد على أهمية رفع الوعي العام، ومواجهة الأكاذيب والافتراءات التي تستهدف مؤسسات الدولة.

وهذه الرسالة تتجاوز حدود الاحتفال بتخريج دفعة جديدة؛ فهي تضع أمام المجتمع مسؤولية وطنية مشتركة، قوامها إدراك طبيعة التحديات التي تواجه الدولة، وتقدير ما يتحمله رجال القوات المسلحة والشرطة من أعباء في سبيل حماية الأرواح والممتلكات وصون الاستقرار.

ولا يعني الحفاظ على المؤسسات تجاهل أوجه القصور أو إغلاق باب المراجعة، بل يقتضي بناء مؤسسات قوية تتسم بالكفاءة والشفافية، وتعترف بأخطائها، وتعمل على معالجتها، وتستند إلى كوادر مؤهلة علميًا وعمليًا. فالدولة القوية هي التي تجمع بين الانضباط والتطوير، وبين حماية الأمن وتحسين جودة الأداء.

كما أن توجيه التحية إلى أسر الخريجين يلفت الانتباه إلى دور الأسرة المصرية في إعداد أبناء يتحملون المسؤولية، ويقدمون للوطن ما تعلموه من قيم الانتماء والالتزام والتضحية.

حماة الغد

وفي حفل تخريج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية، بالعاصمة الجديدة في 17 أكتوبر، تتجسد ثمرة الإعداد والتدريب في جيل جديد يحمل أمانة الدفاع عن الوطن، ويستعد للقيام بواجباته في ظروف تتطلب يقظة مستمرة، وتطورًا في المعرفة والمهارات، وقدرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة.

والرسالة الأهم إلى هؤلاء الشباب أن ارتداء الزي العسكري أو الشرطي ليس مظهرًا للوجاهة، وإنما عهد ومسؤولية. فالشجاعة الحقيقية تقترن بالحكمة، والقوة بالانضباط، والسلطة باحترام القانون وحقوق المواطنين. كما أن التفوق في الميدان يحتاج إلى تعليم جيد، وتدريب مستمر، ووعي بالتكنولوجيا الحديثة وأساليب التهديد الجديدة.

ومن ثم، فإن الاستثمار في الإنسان يظل ركيزة أساسية للأمن الوطني؛ لأن السلاح مهما بلغت قوته يحتاج إلى عقل مدرب، وضمير يقظ، وإرادة تعرف أن خدمة المواطن هي جوهر الرسالة الوطنية.

الأمن القومي

لم تنفصل رسائل الرئيس الداخلية عن التطورات الإقليمية. فقد أكد أهمية الترابط بين الأمن القومي المصري وأمن الشقيقة السعودية ودول الخليج، ورفض المساس بأمن المملكة أو استقرار البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، مع التشديد على ضرورة خفض التصعيد.

كما تناول أهمية استقرار السودان وليبيا وقطاع غزة، وربط تحقيق السلام الدائم في المنطقة بإقامة الدولة الفلسطينية.

وتعكس هذه المواقف إدراكًا بأن أمن مصر لا يتوقف عند حدودها الجغرافية، بل يتأثر بما يجري في محيطها العربي، وباستقرار الممرات البحرية وحركة التجارة، وبمصير الشعوب التي تعاني الصراعات. ولذلك فإن التحرك الدبلوماسي، والدعوة إلى التهدئة، ودعم الحلول السياسية، تمثل أدوات مكملة لقوة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها.

وفي هذا السياق، تظل الحكمة في إدارة الأزمات، وتجنب الانزلاق إلى صراعات جديدة، والتمسك بالحلول التي تحفظ حقوق الشعوب وسيادة الدول، من أهم مقومات السياسة المسؤولة.

مسؤولية الجميع

ومن الرسائل المهمة التي تستحق التوقف أمامها، تأكيد الرئيس أن خطط التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها في سنوات قليلة، وأن الاستمرار في مسارات البناء يحتاج إلى الاستقرار، ومؤسسات قوية، وكوادر تتمتع بالكفاءة، إلى جانب الاعتراف بالقصور ومعالجته.

وهنا تبرز العلاقة الوثيقة بين الأمن والتنمية؛ فلا نهضة اقتصادية مستدامة في ظل الفوضى، ولا استقرار طويل الأمد دون تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتطوير التعليم، وتوفير فرص العمل، وتحقيق العدالة في إتاحة الفرص.

كما أن مسؤولية الحفاظ على الدولة لا تقع على عاتق المؤسسات الرسمية وحدها، بل تشمل المواطن في موقعه، المعلم في مدرسته، الإعلامي في رسالته، رجل الدين في توعيته، الشاب في عمله وإنتاجه. فكل جهد مخلص يرفع كفاءة المجتمع ويعزز تماسكه يمثل إضافة حقيقية إلى قوة الوطن.

الوعي.. خط الدفاع الأول

ومن المنظور الديني، فإن الحفاظ على الأوطان وصيانة مصالح الناس من القيم التي يؤكدها الإسلام، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56)، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).

وهذه القيم تدعونا إلى التعاون، ونبذ الفرقة، وتحري الصدق، وعدم الانسياق وراء الشائعات، مع التزام العدل والنصيحة المسؤولة واحترام كرامة الإنسان.

إن الرسالة الجامعة لكلمات الرئيس في ذكرى أكتوبر واحتفالات تخريج رجال القوات المسلحة والشرطة هي: أن حماية الوطن مسؤولية متكاملة، تبدأ بوعي المواطن، وتتجسد في كفاءة مؤسساته، وتستمر بالعمل والإنتاج والتمسك بالثوابت الوطنية.

فمصر التي صنعت نصر أكتوبر بإرادة أبنائها، تستطيع مواصلة طريق البناء إذا حافظت على وحدتها، وطورت مؤسساتها، واستثمرت في شبابها، وجعلت من الوعي والعمل والأخلاق أساسًا لمستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.

ولـ"تحيا مصر" دائماً وأبدا بعقول وسواعد أبنائها المخلصين الأوفياء.

تعليقات