بقلم السيد سالم جابر الجازولى
عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، شيخ الطريقة الجازولية
بكل تأكيد، فإن مصر وتركيا لا يمثِّلان مجرّد دولتين عادِيَتين في المنطقة الإقليمية والدولية، أو حتى بالنسبة لدول العالم الإسلامي، لما تتميّز به كلٌّ منهما من الإرْث التاريخى والحضارى، بل الديموجرافى والجيوسياسي أيضا، ولا نُجاوز الحقيقة إن وصفنَاهما معًا بأنهما يمثِّلان جناحَا الأمَّة الإسلامية.
خاصةً وأن الثِقل العلمى والحضاري في العالم الإسلامي يتركّز في محيطهما منذ القِدم، والعلاقات بين الشعبين تضرب بجذورها في عُمق التاريخ العريق، ولا يمكن لأىّ عارِضٍ مهما كان أن يقلِّل منها أو يُضْعِفها.
وفي هذا الإطار يُمكننا النّظر إلى هذا التفاهم والتقارُب فيما بين قيادتي البلدين، والزيارات المتبادَلة للزعيمين؛ فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي؛ وشقيقه فخامة الرئيس رجب طيّب أردوغان، والتى تُجسِّد بحقٍّ طبيعة وعُمق وخصوصية هذه العلاقة المتفرِّدة التى تربط جناحَي العالم الإسلامي السُّنِّي.
وانعكس عُمق هذه العلاقات- الرسمية والشخصية- بالترجمة العملية حين كانت السيّدة "انتصار السيسي"- قرينة السيّد رئيس الجمهورية- فى استقبال ووداع قرينة الرئيس التركى، السيّدة "أمينة أردوغان" بمطار القاهرة، فضلا عن زيارتها للمتحف المصرى الكبير، وإطلاعها على الحضارة المصرية العريقة.
وقد شهدت هذه العلاقة بين البلدين، مزيدًا من التجذير والترسيخ في الفترة الأخيرة، بفضل الرؤية الثاقبة لقيادة البلدين الشقيقين، وتُوِّجَت بالتعاون الاقتصادى والتنموى لمنتدَى الأعمال المصري– التركي والذى شهد مؤخَّرا حضورًا واسعًا من ممثِّلي الحكومَتين المصرية والتركية، إلى جانب نُخبة من رجال الأعمال في البلدين، حيث شارك أكثر من 460 من رؤساء وممثّلي الشركات التُركية العاملة في مصر أو المهتمة باستكشاف فرص جديدة للاستثمار، فضلاً عن نحو 270 من ممثّلي القطاع الخاص المصري، وقد تناولت جلسات المنتدَى سُبل تعزيز التبادل التجاري، واستعراض الفرص المتاحة أمام الاستثمارات التركية في السوق المصرية. وقد نجح المنتدى خلال السنوات الماضية فى إضفاء زَخم متزايد على التعاون الاقتصادى والتجارى، بما يعكس متانة الروابط والمصالح المشتركة. وقد حرص الرئيسان- السيسي وأردوغان- على حضور الجلسة الختامية للمنتدَى الذي عُقد بالقاهرة، في إطار زيارة الرئيس التركي إلى مصر.
من جانبه أشار فخامة الرئيس السيسي، لأهمية انعقاد المنتدى فى توقيت بالغ الأهمية، ليؤكّد على ثقل الشراكة الاقتصادية بين البلدين. ليس لتعزيز شراكات قائمة فحسب، بل ليضع حجَر الأساس لمرحلة جديدة تتّسم بالطموح، جوهرها تعظيم المنافع المتبادَلة للشَّعْبَين، بما يتماشى مع متغيّرات العصر ومتطلّبات المستقبل الواعد. فالعلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا تقوم على أسس راسخة وعملية، حيث أسهمت مقوّمات التكامل الاقتصادى الكبير بينهما، إلى جانب التقارب الجغرافى والثقافى، وتوافر الإرادة السياسية وإرادة مجتمع الأعمال، فى بلوغ مستويات غير مسبوقة من التعاون التجارى والاستثمارى. حتى وصل حجم التبادل التجارى إلى نحو 9 مليارات دولار، ونطمح لزيادته إلى 15 مليار دولار أو يزيد، مما جعل مصر الشريك التجارى الأول لتركيا فى إفريقيا، فيما تُعد تركيا من أبرز مقاصد الصادرات المصرية. كما تجاوز حجم الاستثمارات التركية فى مصر 4 مليارات دولار، وهو إنجاز لم يكن ليتحقّق لولا تضافر جهود الحكومات ومجتمع الأعمال معًا.
وانطلاقًا من هذا المسار الإيجابى، ومع مرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فقد أكد فخامة الرئيس السيسي، خلال مشاوراته مع فخامة الرئيس أردوغان، وجود توافق كبير على أن آفاق التعاون لم تُستغل بعد بالكامل. واتَّفقا على العمل المشترك لزيادة حجم التجارة وجذب المزيد من الاستثمارات التركية، بما يُحقّق منفعة متبادَلة من خلال مشاركة المستثمرين الأتراك فى التنمية الصناعية التى تشهدها مصر فى قطاعات ذات أولوية، مستفيدين فى الوقت ذاته من الإصلاحات الهيكلية التى دخلت على بيئة الاستثمار المصرية، والحوافز المتعدّدة والمزايا النسبية المرتبطة بالموقع الاستراتيجى والنفاذ للأسواق عبر اتفاقيات التجارة الحرّة التى تربط مصر بالعديد من الدول والتجمّعات الإقليمية والدولية، فضلاً عن توافر الأيدى العاملة الماهرة.
وتُوِّجت مباحثات الرئيسين، بتدشين (مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى)، تأكيدا للعزم المشترك، على المُضى قُدُمًا فى توطيد أُطر التعاون، فى مختلف المجالات، سواء المشتركة بين البلدين أو المتعلّقة بالمنطقة والأمّة العربية والإسلامية، خاصة آخر التطوّرات فى قطاع غزّة، عقب نجاح جهود مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة، فى التوصّل إلى اتفاق "شرم الشيخ" لوقف الحرب. والتأكيد على ثوابتنا، المتمثِّلة فى ضرورة تحقيق حلِّ الدولتين، بإقامة الدولة الفلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وحشد الجهود الدولية لدعم التعافى المبكِّر وإعادة الإعمار. ورفض أى محاولات، للالتفاف على تنفيذ خطّة الرئيس "ترامب" للسلام أو تعطيلها ورفض المساس بحقوق الشعب الفلسطينى غير القابلة للتصرّف، وضرورة وقف كافّة الممارسات الأحادية فى الأراضى المحتلة، بما فيها التوسّعات الاستيطانية فى الضفة الغربية، وانتهاك الوضع القانونى والتاريخى للمقدّسات فى "القدس".
وكذلك الأزمة السودانية وملفّات إفريقية مهمّة، خاصةً فى القرن الإفريقى والساحل وليبيا وسوريا والملف النووى الإيرانى، أو فيما يتعلّق بالمنطقة بشكل عام. وكذا الأزمة الأوكرانية وكان التقارب واضحاً فى الرؤى بين مصر وتركيا، إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك بما يدفع العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب، ويرسِّخ ركائز السلام والاستقرار والتنمية فى المنطقة.
وقد لعب سفيرا البلدين دورًا مهمًّا في إنجاز هذه النجاحات الكبيرة، سواء كان السفير المصري في أنقرة، "د. وائل بدوى"، أو السفير التركي بالقاهرة "د. صالح موطلو شِن"، الذي يستحق لَقب سفير الدبلوماسية الشعبية، نظراً لما يتمتّع به من علاقات صداقة قويّة ومتنوّعة مع مختلف فئات المجتمع المصري.
وفي النهاية، نؤكّد القول بأن قوّة العلاقات المصرية التركية إنما هي قوّة للأُمَّة الإسلامية والإقليمية، ولا أُبالغ إن قُلْتُ: للعالَم أجمع. بما ستفرضه من توازنات على متَّخذِى القرار في الدول العُظمى، خاصةً فيما يتعلّق بعالمنا العربي والإسلامي.

إرسال تعليق