تعانُق الصيَامَيْن.. "هىّ دى مصر"

بقلم السيد سالم جابر الجازولى

عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، شيخ الطريقة الجازولية

يشاء اللهُ تبارك وتعالى أن يبعث للبشرية جمعاء- وللمصريين خِصِّيصًا- إشارات وإضاءات ربَّانية من وقت لآخر، تُنير الطريق وتؤكّد للجميع أن البَشَر جميعا عند الله هُم أبناء الله وأحبَّاؤه، مهما اختلفت انتماءاتُهم وأجناسُهم وألوانُهم، بل معتقداتهم الدينية والفِكرية.

وفى هذا السياق نجد تزامُن وتعانُق الصيَامَيْن- صيامُ رمضان المعظَّم والصّيام الكبير- لتعيش مصرُنا الحبيبة حالة من الامتزاج والتشابُك الدينى والوجدانى، يُغلِّفها النسيج والانتماء الوطنى، وتُبرِزها الهُويّة والخصوصيّة الثقافية الحضارية لمصر "أُمّ الدنيا".

وإذا كنّا- كمسلمين- نعرف ونقرأ كثيرًا عن صيام شهر رمضان المعظَّم، لكن يجب علينا كذلك معرفة صيام أشقّائنا فى الوطن، فزَمن الصّوم المسيحي يستمر خمسين يومًا، (40 يومًا هي أيام الصوم التي تسبق أسبوع الآلام، فضلًا عن أسبوع الآلام بما فيه سبْت النور، بالإضافة إلى أربعة أيام تعويضية عن أيام الآحاد التي يتم الإفطار فيها، وهذا هو المتعارَف عليه في أغلب الكنائس)، وتختلف تقاليد الصوم المسيحي بحسب الطوائف والطقوس والليتورجيات؛ وتتنوَّع تقاليد الصوم الكبير في العالم المسيحي بين الامتناع عن الطعام ساعات محدَّدة أو الامتناع عن ألوان محدَّدة من الطعام؛ فالكنائس ذات التقاليد المسيحية الشرقية تفرض انقطاعًا عن اللحوم طوال مدة الصيام. إلى جانب الصلوات والانقطاع عن الطعام تُقام رُتَب وطقوس خاصة وتُقرأ فيها نصوص دينية على أربع عشر مرحلة من العهد الجديد إلى جانب بعض المراحل المأخوذة من التقاليد المسيحية. وتُرْفق كل مرحلة من المراحل بتلاوة الصلاة، وتأمُّل اجتماعي أو روحي معيّن.

ولا شك أن هناك تقارُبًا وتشابُهًا كبيرا فيما بين الصيامَين، فى الامتناع عن الأكل والشُّرب، سواء من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، أو الامتناع عن أنواع معيّنة، وكذا فى المزيد من التقرُّب إلى الله تعالى، بالصلوات والتسابيح والأعمال الصالحة، والأهم تنقية القلوب والنفوس من الأمراض "المعنوية"، وهى "لُبُّ" وجوهر العبادات فى أى دين سماوى أو حتى فلسفات بَشَريّة.

إذَن، فالمقصود من هذا "الصّيام" هو: خلْق حالة من "الإنسانية السَويّة" التى تربط بين جميع البَشَر دون تفرقة، لذلك فالمولى- عزَّ وجلَّ- جعل معيار الحُكم أو القبول فى هذا "الصّيام" عنده سبحانه، فيقولُ: "كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ، إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي، فصيامُهُ لَه وأنا أجزِي بِه، كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ، إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ".

لكن مظاهره وتطبيقاته، أى الترجمة العملية والسلوكية فى معاملات البَشَر، أو كما قال سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه أبو هريرة رضى الله عنه-: "الصيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكم صائمًا فلا يَرفُثْ ولا يَجهلْ، فإنِ امْرُؤٌ شاتَمَه أو قاتَلَهُ فَليَقُلْ إنِّي صائمٌ".

وكل عام والجميع بخير، والإنسانية كلّها تَنْعم بجنَّات الصيام.

0 تعليقات

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم