📁 آخر الأخبار

مصر والعالم.. علاقات الاحترام والتوازن

بقلم السيد سالم جابر الجازولى

شيخ الطريقة الجازولية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية

منذ فجر التاريخ، الذى ولدت معه مصر، عرفت مصر وأهلها بالموضوعية والتوازن في تعاملها مع كل شيء وكل تجمع إنساني ظهر بعد ذلك وإلى اليوم، فهي لا تعرف- وأهلها- لا البغى ولا العدوان إنما الوسطية والاعتدال؛ فاستحقت أن تكون "أم الدنيا" باحتضانها للجميع دون تمييز أو تفرقة.

ونشأ وترعرع أبناؤها على مر العصور المختلفة؛ على هذا المنهج والطريق، فكانوا جسورا لتعارف الشعوب، وملتقى لكل الثقافات والحضارات المختلفة.

وفي عالم يموج بالأزمات والصراعات، تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه التحديات، تظل العلاقات المصرية مع دول العالم نموذجًا يقوم على التوازن والاحترام المتبادل، والحرص على إقامة جسور التواصل والتعاون، بعيدًا عن التدخل في الشئون الداخلية للدول أو فرض الرؤى والمواقف عليها.

وبرز ذلك في أوضح صوره خلال تعاملات الدولة المصرية الحديثة، منذ ثورة شعبها في الثلاثين من يونيو ٢٠١٣، منطلقة في علاقاتها الخارجية من مبدأ راسخ، وهو أن لكل دولة خصوصيتها وسيادتها وحقها في اختيار ما يناسبها من سياسات، وأن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية يمثلان أساسًا مهمًا لبناء علاقات دولية مستقرة وقائمة على الثقة.

وقد حافظت الدبلوماسية المصرية، بتوجيهات القيادة السياسية الحكيمة لفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، على حضورها الفاعل في مختلف دوائر العلاقات الدولية، انطلاقًا من موقع مصر الجغرافي والتاريخي، وثقلها الحضاري والسياسي، مع الحرص في الوقت نفسه على أن تكون علاقاتها مع مختلف الأطراف قائمة على المصالح المشتركة، وليس على الاستقطاب أو الانحياز.

وتؤمن مصر بأن الحوار هو الطريق الأكثر فاعلية لمعالجة الخلافات، وأن لغة التفاهم يمكن أن تفتح أبوابًا يصعب أن تفتحها لغة الصدام. ولذلك تحرص القاهرة على التواصل مع مختلف الأطراف، حتى في أوقات الأزمات، من أجل تقريب وجهات النظر والبحث عن حلول سلمية تحفظ حقوق الشعوب وتصون أمن الدول واستقرارها.

كما تؤكد مصر باستمرار أهمية احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وضرورة اللجوء إلى الوسائل السلمية في تسوية النزاعات، بما يحقق الأمن والاستقرار ويجنب الشعوب ويلات الحروب والصراعات.

وتتسم السياسة المصرية بالانفتاح على مختلف دول العالم، سواء في محيطها العربي والإفريقي أو على المستويين الآسيوي والأوروبي، وكذلك في علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها من القوى الدولية.

وهذا الانفتاح لا يعني الارتهان لمحور أو الدخول في صراعات المحاور، وإنما يعكس رغبة مصر في إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، بما يخدم مصالحها الوطنية، ويدعم فرص التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعليم والثقافة ومكافحة الإرهاب والتغيرات المناخية وغيرها من الملفات المشتركة.

وتولي مصر كذلك اهتمامًا كبيرًا بعلاقاتها الإفريقية، انطلاقًا من حقيقة أن القارة تمثل امتدادًا استراتيجيًا وحضاريًا لمصر، وأن التعاون بين دولها هو السبيل لتحقيق التنمية والاستقرار ومواجهة التحديات المشتركة.

احترام الخصوصية والسيادة

ومن أهم ما يميز العلاقات المصرية مع العالم، التأكيد على أن التعاون لا يتعارض مع احترام خصوصية الدول. فمصر عندما تتحدث عن قضية دولية أو إقليمية، فإنها تنطلق من رؤيتها ومصالحها وثوابتها، مع احترام حق الآخرين في تبني مواقفهم الخاصة.

وفي المقابل، ترفض مصر أن تتحول العلاقات الدولية إلى وسيلة للوصاية أو التدخل في الشئون الداخلية، لأن استقرار العالم لا يمكن أن يتحقق في ظل محاولات فرض الإرادة أو استخدام الأزمات الداخلية للدول لتحقيق أهداف سياسية.

مصر.. صوت للاعتدال

وتحتاج المنطقة والعالم اليوم إلى أصوات عاقلة تدعو إلى التهدئة والتفاهم، بدلًا من زيادة حدة التوتر والاستقطاب. ومن هنا يأتي الدور المصري الذي يحرص على دعم الحلول السياسية، والدعوة إلى الحوار، والعمل على وقف النزاعات وحماية المدنيين، واحترام حقوق الشعوب.

إن قوة العلاقات المصرية مع العالم لا تقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم التبادل التجاري، وإنما بقدرة هذه العلاقات على تحقيق المصالح المشتركة، وبناء الثقة، وفتح آفاق جديدة للتعاون.

إن مصر وهي تنفتح على العالم، تؤكد أن الصداقة الحقيقية بين الدول لا تعني التدخل في شئون بعضها البعض، وإنما تعني الاحترام والتعاون والمساندة في مواجهة التحديات المشتركة. وتبقى قاعدة «الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية» إحدى أهم الركائز التي يمكن أن تسهم في بناء عالم أكثر استقرارًا وسلامًا، تكون فيه العلاقات الدولية قائمة على الحوار والمصالح المشتركة، لا على الصراع والهيمنة.

صفحة جديدة

وزيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى مصر، تفتح صفحة جديدة في مسيرة علاقات تاريخية تجاوزت سبعة عقود، لتتحول من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة المجالات.

وفي ظل عالم يموج بالأزمات والتحولات، تبرز القاهرة وبكين نموذجًا لعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحقيق المصالح المشتركة.

وتأتي الزيارة لتؤكد أن مصر تنظر إلى الصين باعتبارها شريكًا مهمًا في التنمية والاستثمار والتكنولوجيا، بينما ترى بكين في مصر بوابة رئيسية إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا.

فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عام 1956، احتفظت العلاقات بين البلدين بخصوصية واضحة، فقد كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

ومع مرور السنوات، تطورت هذه العلاقات لتشمل مجالات سياسية واقتصادية وثقافية وتعليمية واسعة، وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي أرست إطارًا أكثر قوة للتعاون بين البلدين.

ويمثل التعاون الاقتصادي أحد أهم أعمدة العلاقات المصرية الصينية، خاصة أن مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا يجعلها نقطة اتصال بين ثلاث قارات، فضلًا عن قناة السويس التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

وتزايد الحضور الصيني في عدد من المشروعات التنموية والصناعية المصرية، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والطاقة والبنية التحتية والصناعات المختلفة.

وتتطلع القاهرة إلى أن يسهم التعاون مع بكين في جذب مزيد من الاستثمارات، وزيادة فرص العمل، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، ودعم التصنيع المحلي والصادرات المصرية.

ولم تعد الشراكة المصرية الصينية قاصرة على التجارة والاستثمار، وإنما امتدت إلى المجالات التكنولوجية الحديثة، وفي مقدمتها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة.

ويمثل هذا الجانب أهمية خاصة لمصر، التي تعمل على بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والمعرفة، بما يجعل التعاون مع القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى فرصة لتسريع عملية التنمية.

وتحافظ مصر في علاقاتها الخارجية على سياسة تقوم على تنويع الشراكات، وعدم الارتهان لمحور واحد، بما يخدم مصالحها الوطنية ويحافظ على استقلالية قرارها.

ومن هذا المنطلق، فإن تنامي العلاقات المصرية الصينية لا يأتي على حساب علاقات مصر مع شركائها الآخرين، وإنما يعكس رغبة القاهرة في إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.

وتتلاقى مصر والصين في عدد من المبادئ، وعلى رأسها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وضرورة تسوية النزاعات بالطرق السياسية، ودعم الاستقرار والتنمية.

وتمثل مصر أهمية خاصة للصين بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، فهي ليست فقط دولة عربية ذات ثقل إقليمي، وإنما بوابة مهمة إلى القارة الإفريقية.

ومن هنا تكتسب المشروعات المشتركة أهمية تتجاوز حدود البلدين، إذ يمكن لمصر أن تصبح منصة للإنتاج والتصدير إلى أسواق إفريقية وعربية واسعة، بينما تستفيد الشركات الصينية من الموقع المصري والبنية الأساسية المتطورة.

إن زيارة الرئيس الصيني لمصر تحمل رسالة واضحة مفادها أن العلاقات بين القاهرة وبكين مرشحة لمزيد من النمو، وأن الشراكة بينهما أصبحت جزءًا من المشهد الاقتصادي والسياسي الدولي.

لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل الاتفاقيات والتفاهمات إلى مشروعات منتجة، تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وتنقل التكنولوجيا، وتوفر فرص العمل، وتزيد القدرة التنافسية للمنتج المصري.

وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، تبدو الشراكة المصرية الصينية فرصة مهمة لمصر لتعزيز خياراتها الاقتصادية والسياسية، والاستفادة من علاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية، بما يحفظ مصالحها الوطنية ويعزز مكانتها الإقليمية والدولية.

فمصر لا تبحث عن حليف ضد آخر، وإنما عن شركاء من أجل التنمية.. والصين تبدو شريكًا مهمًا في معادلة المستقبل.

وهكذا تتعانق الحضارات ولا تتصارع، ولـ"تحيا مصر" دائما وأبدا "رمانة الميزان" في العالم قديمه وحديثه.

تعليقات